أنا أضحك، إذًا أنا إنسانيّ

“تنتهي القصة بضحك الأطفال الذي يواصل الجلجلة وإثارة التفكير: في الحرّيّة والقمع، في الطبيعة ومكان الإنسان داخلها، وفي الطفولة”. الخاتمة التي كتبتها شوهام سميت، محررة كتاب “الأولاد يضحكون” لزكريا تامر.

حول قصّة الأولاد يضحكون

الضحك الصحّيّ لا يتوقّف فجأة. إنّه يُجَلجِل، يخفُت، يكتسب زخمًا، يتجدّد، بل إنّه عندما يتوقّف في نهاية المطاف، تُحفر ذكراه في الجسد، في الابتسامة، في بريق العين وفي التجاعيد. التأثير نفسه تتركه في القارئ هذه القصّة القصيرة والثاقبة للكاتب زكريّا تامر، أحد أبرز الكتّاب السوريّين، وأحد أعظم الكتّاب في العالم العربيّ في هذا اللون الأدبيّ. تنتهي القصّة بضحك الأطفال الذي يواصل الجلجلة وإثارة التفكير: في الحرّيّة والقمع، في الطبيعة ومكان الإنسان داخلها، وفي الطفولة.
إنّ قراءة القصّة في سياقها السياسيّ، باعتبارها استعارة تشكّل جزءًا من مجموعة قصص ثوريّة أُلّفت كردّ فعل على الحياة في ظلّ نظام قمعيّ، تستدعي التطرّق إلى الملِك على أنّه يمثّل دكتاتوريّة – عابرة للدول والقارّات – والتطرّق إلى حظر الضحك كنوع من القمع السياسيّ وانتهاك لحرّيّة التعبير. علاوة على ذلك، نحن بصدَد حظر يقع خارج صلاحيّات الحاكم المألوفة، بل إنّه خارج صلاحيّات الطاغيّة، ويتضمّن محاولة لتغيير العالم. قد يمثّل الأطفال المواطن الصغير أو أنّهم يمثّلون أنفسهم، جيل المستقبل. أمّا بالنسبة إلى مغزى ضحكهم، فينبغي تفسيره على أنّه ضحك ساذج يُطلقه أطفال، بينما تظلّ الإمكانيّة بأنّ شكوك الملك مُبرّرة، وأنّ الأطفال بالفعل يسخرون منه ومن تبجّحه قائمة بموازاة ذلك، لأنّه في نهاية الأمر، الطغاة هم محطّ سخرية.
لكنّ هذه الاستعارة تقدّم للقرّاء أكثر من ذلك. يمكننا أن ننحّي القراءة السياسيّة جانبًا للحظة، وأن نقرأ القصّة باعتبارها استعارة للكبار والأطفال، ولحكمة الطفولة الخفيّة. في هذه القصّة، خلافاً للمعتاد، لا يُصوَّر الأطفال على أنّهم ضعفاء. هم كثُر والملك واحد. إنّهم يلعبون ويضحكون، وهو، الغريب، الذي لا يمكنه أن يضحك، أو حتّى أن يفهم -بحقّ الجحيم- ما المضحك بهذا القَدْر في سماء زرقاء، وأشجار خضراء، وعصافير محلّقة- هذه هي طبيعة العالم. في الواقع. من الممكن أنّه في هذه المرحلة من الحبكة، عندما يشعر الملك بالإحباط إزاء الأطفال الذين يضحكون ضحكًا لا تفسير له في نظره، فإنّه قد يثير تعاطف كلّ قارئ بالغ، ذي منطق سليم، وكذلك تعاطف كلّ شخص مرّ بتجربة وقوفه منفردًا أمام مجموعة تضحك، من دون أن يفهم لماذا وعلى ماذا يضحكون، كما سيتعاطف معه بالطبع كلّ من ساوره شكّ في أنّه هو نفسه محطّ السخرية.

لكن هذا التعاطف يختفي دفعة واحدة – كما يُصبح الضحك رعبًا – عندما يسيء الملك استخدام القوّة والسلطة ويحظر على رعاياه القيام بما حُرِم منه. يوجّه الراوي نظر القارئ إلى السماء والأشجار والطيور. يضعه، إلى جانب الملك، كالقابع وسط الدائرة بلعبة “طاق طاق طاقيّة”، لدرجة أنّ القارئ نفسه يشعر بأنّه محطّ سخرية الكاتب – وهو أيضًا، لا يفهم ما، بحقّ الجحيم، المضحك إلى هذا الحدّ هنا؟! إنّها لحظة اغتراب رهيبة ومهدِّدة، لحظة كونه آخر، معطوبًا، لحظة عجز عن أن يكون شريكًا في متعة إنسانيّة أساسيّة. ومع ذلك، وربّما بسبب السخرية والحرج – قد يشعر القارئ بدغدغة ضحكة، أو حتّى أنّه قد ينفجر بضحك فظّ وفوضويّ، ضحك هو غاية في حدّ ذاتها، ولا حاجة إلى تفسيره. الضحك، كما تخبرنا الاستعارة، طبيعيّ وضروريّ- تمامًا كالسماء والأشجار والطيور.

الطبيعة المحدودة للاستعارة تكشف القليل وتخفي الكثير. نحن نعلم أنّ الملك لم يضحك كملك. ولكن ربّما ضحك كطفل؟ هل يمكن أن تكون هذه اللحظة، الصادمة، التي وقف فيها أمام ضحك الأطفال الذي لا يمكن تفسيره، هي التي أسست طغيانه وأماتت، نهائيًّا، إنسانيّته؟ هل يمكن أن يكون استبداده هو ما جعله يفسّر إجابات الأطفال الساذجة على أنّها تحدٍّ وإهانة، وهو الذي أملى المرسوم الظالم والمتطرّف في سلسلة المراسيم التي فرضها على رعاياه؟  ليس هذا هو الضحك المرّ الذي يصدر عن اليائسين. إنّه الضحك البريء، لأولئك الذين من أعالي قاماتهم القصيرة، وفي خضمّ الأيّام المظلمة التي يهيمن فيها طموح الطاغية لتغيير قوانين الطبيعة، ما زالوا يرون سماء زرقاء وأشجارًا خضراء وطيورًا محلّقة. إنّها ضحكة صافية، رائعة ومُعدِية.

عن زكريّا تامر وأسلوبه

اللقاء مع أسلوب زكريّا تامر مفاجئ، بل مثير للدهشة. قصصه مثيرة للدهشة في قصرها، بساطتها وعمقها. يفاجئنا أسلوبه البلوريّ، الشعريّ الحديث جدًّا، وتفاجئنا جرأته وشجاعته. لكنّ الأكثر إثارة للدهشة من أيّ شيء آخر، هو أنّ أديبًا رجلًا ومفكّرًا، قد كرّس حوالي عقد من سنوات عمره للكتابة للأطفال، ولم يعتبر الطفل صحيفة بيضاء، الهدف من الأدب هو تربيته ليكون مواطنًا مطيعًا ومفيدًا. بالنسبة إليه، الأطفال هم مواطنو المستقبل، أفكارهم غضّة وخالية من الامتثال والانصياع. أودّ أن أشير في هذا المقام إلى أنّ “النمور في اليوم العاشر”، القصّة التي منحت اسمها لمجموعته القصصيّة الخامسة، والتي منحته مكانة رسميّة في العالم العربيّ (النمور في اليوم العاشر (قصص)، دار رياض الريّس للكتب والنشر، 1978) صدرت سابقًا بصيغة للأطفال، وكذلك بالنسبة إلى “الأطفال يضحكون” التي أُدرجت في المجموعة نفسها. كلتا القصّتين، مثل العديد من قصصه، هما استعارتان لمحاولة نظام شموليّ لترويض رعاياه على الطاعة.
ولد زكريّا تامر عام 1931 في دمشق لعائلة من الطبقة المتوسّطة-الدنيا. عند بلوغه سنّ الثالثة عشرة عامًا اضطرّ إلى ترك دراسته للمساعدة في إعالة الأسرة، فعمل “صبيًّا” عند حدّاد. نال تعليمه من خلال الدراسة المسائيّة. وبتأثير الوضع الاقتصاديّ الصعب الذي ألمّ به، توجّه إلى الكتابة كوسيلة لكسب الرزق. نُشرت قصصه الأولى في أواخر الخمسينيّات، تلتها إحدى عشرة قصّة قصيرة، ومجموعتا مقالات ساخرة، وحوالي مائة قصّة للأطفال. في الوقت نفسه، كان يعمل محرّرًا لمجلّات، بما في ذلك مجلّة للأطفال، كما شغل مناصب رسميّة في وزارة الثقافة السوريّة، بل إنّه، وبصورة لا تُصدّق، شغل منصب الرقيب (في وقت لاحق قال إنّ شَغْله لهذا المنصب منحه القدرة على تطوير كتاباته، بحيث لا يُحظر نشرها).
في عام 1980 عندما بدأ من خلال عمله محرّرًا لمجلّة “المعرفة”، وهي مجلّة وزارة الثقافة السوريّة، ينشر في المقالات الافتتاحية مُقتبسات من كتاب “عن طبيعة الطغيان”، من تأليف عبد الرحمن الكواكبيّ، وهو المفكر الذي كان له تأثير هائل في كتاباته، أُقيل من منصبه وتمّ تضييق الخناق عليه، حتّى اضطرّ إلى الجلاء إلى لندن، حيث واصل هناك عمله ككاتب ومحرّر.  نال زكريّا تامر جوائز هامّة كما حظيت مؤلّفاته بترجمات إلى العديد من اللغات. صدر له مترجمًا إلى العبريّة “نمر من ورق” (إصدار دار النشر ريسلينج، 2013)، مجموعة مختارة من أعمال تامر، ترجمة وتحرير ألون فراچمان، الذي ترجم أيضًا القصّة التي بين أيديكم.
لاحظ تامر الفرص التي تجسدها حالة القراءة الأسريّة، واستغلّها للتوجّه إلى أولياء الأمور الذين جعل منهم الغاية الخفيّة لتوجّهه؛ كما لاحظ الإمكانيّة التي توفّرها حلبة أدب الأطفال كحيّز خالٍ من الرقابة (في الوقت الذي يتمّ فيه فحص أيّ نصّ أدبيّ من قبل الرقيب الحكوميّ)، وهو الحيّز الذي يمكن فيه التعبير بحرّيّة نسبيّة، وذلك بفضل موقعه على الهامش البعيد للثقافة. من الصعب ضبط النفس وألّا نضيف أنّ النـظرة المستهترة إلى أدب الأطفال، تصوّره على أنّه أداة تعليميّة، إدراجه في مجال التربية والتعليم، وانعدام الاهتمام به من جانب المجتمع الأدبيّ، لا يقتصر على سوريا أو النظام السوڤيتيّ فحسب، بل إنّها سمة من سمات وضع الثقافة في إسرائيل والغرب أيضًا.

***
“الأولاد يضحكون” هو أوّل كتاب أطفال سوريّ يُترجم إلى العبريّة. إلى جانب ترجمة ألون فراچمان، اخترنا –نحن العاملين على المشروع- تقديم النصّ بلغة الأصل، حتى يتسنّى للناطقين باللغة العربيّة قراءة النصّ الأصليّ أيضًا، ولأنّ اللغة العربيّة هي لغة رسميّة في دولة إسرائيل، وليست لغة أجنبيّة كما يعتقد البعض أحيانًا. إنّنا نعتبر وضع السطور العبرية بجوار السطور العربيّة، تصريحًا بشأن أهمّيّة اللقاء الثنائيّ اللغة والثنائيّ القوميّة في الحيّز الإسرائيليّ الفلسطينيّ. إنّها لفتة بسيطة، الهدف منها تأكيد حضور اللغة العربيّة التي تتعرّض لهجمات عدوانيّة، على صعيدي الدعاية والتشريع، ويتم محوها تدريجيًّا من الحيّز العامّ. من المهمّ أن نتذكّر أنّ اللغة العربيّة هي اللغة الأم لأكثر من 50% من مواطني الدولة: العرب – الفلسطينيّون مواطنو إسرائيل واليهود القادمون من الدول العربيّة.
نحن، مثل زكريّا تامر، نريد أن نتوجه إلى القرّاء الشباب باللغة العبريّة، جيل المستقبل المنفتح إلى تغيير هذا الواقع المحزن. آملين أن يأتي يوم، وليس في آخر الزمان، تصدح فيه أفواه الجميع بنغمات اللغة العربيّة، وتتذوق سماعها بشكل طبيعيّ كلّ الآذان، كما الأشجار والسماء والضحك.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *