الجيل الثاني من ناجي النكبة يضيء زوايا للجيل الثاني من ناجي المحرقة: حول رواية “أولاد الغيتو- إسمي آدم”

“أولاد الغيتو” لم تثر في نفسي تعاطفاً عميقاً مع الضحايا الفلسطيين فقط انما جسدت لي كذلك بعضاً من مشاهد الموت التي رافقت أبناء عائلتي في معسكرات النازيين.

ساره كرملي فرزجر

اختلاط هويات اليهود والفلسطينيين في رواية الياس خوري “أولاد الغيتو- إسمي آدم” أثار في نفسي، ابنة لوالدين من ناجي المحرقة، تعاطفاً عميقاً ليس فقط مع الضحايا الفلسطيين انما جسد لي كذلك، وبشكل مفاجئ في هذا السياق، بعضاً من مشاهد الموت التي رافقت أبناء عائلتي في معسكرات النازيين. التفاصيل مختلفة، الرعب من اصطياد البشر، أشكال القتل، كمية القتلى وطرق تنفيذ عمليات القتل والطرد تختلف تماماً إلا أن أوصاف الفظاعة الت ياقترفت في اللد أحيت بي شيئاً من القصة التي رواها لي والديَ وأضاءت زاوية مرعبة مما مروا به- زاوية لم ينجح أحد في تمريرها لي حتى الآن رغم أنني قد سمعت وقرأت الكثير عن المحرقة. لا يمكن الحصول على فهم شامل للمحرقة من هذا الكتاب ولكنه قد مرر لي شيئاً هاماً حول طريقة النظر الى المحرقة، وأنا ممنونة لإلياس خوري على ذلك.

تخدم المقارنة بين الأحداث التاريخية في هذا الكتاب اللقاء الانساني والتعاطف ما بعد حدود الهوية. هي مقارنة تمكن القارىء من فهم تجربة الضحية. الراوي في قصة خوري يعلن بأنه ضد المقارنات (صفحة 366) لكن المقارنات تطفو  وتحضر من جديد على الرغم من غيابها: في النقاش حول عدد الضحايا، الذي لا يمت بصلة للمقارنة، يستمد الدليل من الكتب الاسلامية المقدسة: ” مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً” (صفحة 366). تتردد هنا أصداء المقولة اليهودية التي كان هناك من ناقش ان كانت تعني انقاذ النفس عامةً أم انقاذ النفس اليهودية: اليكم مقارنة حاضرة-غائبة كمثال: كذلك الأمر فيما يتعلق بذكر كلمات تشير إلى الابادة من وجهة نظر فلسطينية. صاغ الضباط اليهود حملة “المقص” لقص مدينة اللد و”حرق الخمير”[1] لتطهيرها (صفحة 248). تثير هذه الكلمات الرعب من ناحية من يقع عليه القص والتطهير والخمير المحروق. الأفكار التي تتداعى الى الذهن واضحة.

صورة من نشاط لجمعية “ذاكرات” في سكنة الغيتو بمدينة اللد.

على الرغم من تعريفه لنفسه كفلسطيني، يفهم الراوي اليهود كذلك. وهو يعيش في هوية متخيلة كإبن أحد الناجين من المحرقة. كما يميز بين الضباط اليهود وبين الجنود اليهود الذين كان بعضهم من ضحايا النازيون. الجندي اليهودي الذي نجا من المحرقة كان ضحية تماماً كالمقاتل الفلسطيني، ذلك خلافاً للضابط اليهودي. صحيح بأن الضباط اليهود كانوا جلادين ولكن في سياق محدود (“هناك كانوا جلادين”، صفحة 248). يتساءل الراوي: لو اعطي الانسان امكانية الاختبار بين أن يكون ضحية أو جلاد، ماذا كان سيختار؟ وإجابته الصريحة- بأنه كان سيختار بألا يكون ضحية. الراوي لا يتوانى عن تصفية حساباته مع المجتمع الفلسطيني، مع آبائه الحقيقيين والمتخيلين ويرى بأنهم مسئولين أيضاً عما جرى.

النقاش حول مدى كون اليهود ضحايا، وخاصة الجنود الناجين من المحرقة، يرتبط بالنقاش حول مدى بربرية المحتلين. بربرية المخططين والمدراء الذين يضعون الأهداف السياسية بكل برود تتفوق على بربرية السفاحين الفظيعة وهي البربرية الحقيقية.

هناك تسلسل اذاً في درجة الضحية والبربرية. نقاشات وتخبطات الراوي حول هذا التسلسل (غير الواضحة دائماً، ربما بشكل متعمد) تعبر عن انسان كوني، يتخبط ويحلم، يفضل متاهة القصص، يتفلسف. يقول الراوي بأنه يبحث عن تبريرات للإسرائيليين، يحاول أن يسامحهم (صفحة 256)، ويشعر بأنه هو بنفسه كان من الممكن بان يكون قاتلاً (صفحة 257). أي دليل فئوي بالأبيض والأسود في خضم كثرة الهويات والأقنعة يشكل عنصراً خطراً. لهذا ينفصل الراوي عن دالية، اليسارية الإسرائيلية التي تمثل الآراء البيضاء والسوداء. هي اتهمت الراوي بسبب أحاديثه المساومة تجاه الاسرائيليين، وأيدت انتقام الضحية الفلسطينية أما هو فلا.

خوري يتحدث عن التعامل العنصري، الاستعلاء والامتهان من طرف اليهود مواليد البلاد تجاه يهود اوروبا الذين تم اقتيادهم كالقطيع للمذبحة (صفحة 31). من المثير للاهتمام بأنه يثير بذلك مرة أخرى، وبشكل مفاجئ، أصداء متأصلة في نفسي كابنة لناجين من المحرقة. فقد جرب أهلي عندما وصلوا الى البلاد هذه المهانة، كانوا “الصابون”[2] رغم أنهم سكتوا هم الآخرين ورفضوا الاعتراف بذلك. يا ترى كم صحت قراءة رواية خوري هذا الشعور في نفوس هؤلاء وأبنائهم؟

“الحوار بين الأموات والأحياء هو جوهر الأدب”، يعلن الراوي (صفحة 137) ويقول في موضع آخر بأن ذاكرته هي ذاكرة أمه: “لم أسمع هذه القصص بأذني فقط بل شعرت بأنني عشتها وكنت شاهداً عليها. كانت تلك ذاكرتي التي تذكرت وليست ذاكرة أمي” (صفحة 175).[3] صادفت العديد من أبناء الجيل الثاني لناجي المحرقة الذين يؤكدون على كونهم جيلاً ثانياً ولكنهم عندما يصادفون حالة من التعاطف الحسي العميق مع جيل الآباء الناجين- فهم لا يستطيعون فهمها ويشعرون بالنفور تجاهها. حتى في فئة أبناء الجيل الثاني اذاً- ما هو مشترك بين بعضنا وبين خوري أكبر بكثير من المشترك بيننا وبين أبناء جيل ثاني آخرين.

هناك عدة معاني للصمت في الرواية، احدها فقط هو المعنى الشخصي-النفسي المنبثق عن صدمة الضحية. واحد من المعاني الأخرى هو صمت السامعين. يذكر الراوي بأن السؤال الحقيقي هو صمم العالم الذي لا يسمع صرخة الفلسطينيين (صفحة 33)، وهذه نقطة أخرى للمقارنة- فبعد حدوث المحرقة، العالم سمع وما زال، الأمر الذي لا ينطبق على النكبة التي يصم العالم سمعه مقابلها.

 

*كاتبة المقال هي صاحبة لقب دكتوراة في الدراسات الادراكية، خريجة كلية الأدب، تشارك في نشاطات بموضوع حقوق الانسان.

 

[1] بالإشارة الى حرق المأكولات المتخمرة والتخلص منها ابان عيد الفصح اليهودي حيث يمنع تناولها خلال هذه الفترة.

[2] لقب أطلق في الماضي على اليهود الذين نجوا من المحرقة نظراً للإشاعات التي انتشرت خلال الحرب العالمية الثانية حول انتاج النازيين لصابون من الأنسجة الدهنية لليهود الذين ابيدوا خلال المحرقة.

[3] الاقتباسات منقولة عن الترجمة العبرية للرواية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *